ابن كثير
87
البداية والنهاية
وإني أعطي الله عهدا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا ألحقتك به ، فاملك علينا لسانك ، فإن انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء ، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب ، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم أنزل الله على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل الله عليهم النصر فهزمت الترك هزيمة عظيمة ، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ويأسرون ما شاؤوا واعتصم من بقي منهم بالمدينة ، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم ، وجعل عليهم رجلا من أهله وعنده طائفة من الجيش ثم سار راجعا ، فلما كان منهم على خمس مراحل ( 1 ) نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنوف من كان معه ، فرجع إليها وحاصرها شهرا . وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب وهو يريد أن يضرم النار فيها ، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسا ، فسألوه الصلح فأبى ، ولم يزل حتى افتتحها فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال ، وكان الذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم ، فأسر فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة آلاف أثواب صينية قيمتها ألف ألف ، فأشار الامراء على قتيبة بقبول ذلك منه ، فقال قتيبة : لا والله لا أروع بك مسلما مرة ثانية ، وأمر به فضربت عنقه . وهذا من الزهد في الدنيا ، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدي به نفسه فإن المسلمين قد غنموا من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب ، وكان من حملتها صنم سبك فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف ( 2 ) دينار من الذهب ، ووجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرة وسلاحا كثيرا وعددا متنوعة ، وأخذوا من السبي شيئا كثيرا ، فكتب قتيبة إلى الحجاج يسأله أن يعطي ذلك للجند فأذن له فتمول المسلمون وتقووا على قتال الأعداء ، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جدا . وصارت لهم أسلحة وعدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة ولله الحمد والمنة . وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة ، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج ، ونائبه على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وقاضيه بها عبد الله بن أذينة ، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله البجلي ، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري ، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم . وفيها توفي من الأعيان : عتبة بن عبد السلمي صحابي جليل ، نزل حمص ، يروى أن شهد بني قريظة ، وعن العرباض أنه كان يقول هو
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 63 وابن الأثير 4 / 528 : فراسخ . ( 2 ) في ابن الأعثم 7 / 221 : خمسون ومائتا ألف دينار وقال : وأصابوا في هذه الخزانة ( التي وجد فيها الصنم ) لؤلؤتين عظيمتين .